أمضيت في مهنتي سنين عديدة ..
أحببتها حباً عظيماً ..
أعطيتها كل جهدي ومقدرتي ..
أفكر فيها جل وقتي ..
أتخيلها وأنا بعيداً عنها ..
سنين عديدة جعلتني هائماً في حبها ..
مررت بظروف متعددة ..
ومواقف كثيرة..
منها الجميل الذي لا زال في مخيلتي وذاكرتي ..
ومنها السيئ الذي لا أريد أن أتذكره..
حاولت من خلال سنوات عملي العديدة أن أقدم الصورة الحسنة والخدمة المميزة التي ينشدها كل شخص ..
اجتهدت كثيراً .. رغم الصعاب ..
نجحت مرات ..
وفشلت مرات عديدة ...
حاولت أن أقيم بيئة عمل صحية صالحة للعمل في كل زمان ومكان ..
كنت أنشد التميز ..
أنشد الخير والتقدم للجميع ..
للزملاء ..
للرؤساء ..
للمستفيدين من الخدمة ..
وفي النهاية للوطن ..
لكني كنت أسبح عكس التيار ...
معوقات كثيرة ...
جهود كبيرة ضاعت سدى ...
ظللت مدة طويلة ..
أيام وليالي ..
أفكر وأبحث وأكتب ..
تركت أمور كثيرة ..
ومصالح شخصية ..
قصرت في حق عائلتي ..
كنت اعتقد أنني سأصلح ما أفسده الدهر ..
لكن .. للأسف الشديد ..
سنين طويلة من عمري ضاعت وأنا أحلم ..
وأحلم ..
وأحلم ..
والنتيجة ...
أصبحت وحيداً ..
كل ينظر لي على أني صاحب مشاكل ..
كل ينظر لي على أني أسعى لمصلحة شخصية ..
أسعى لأنال منصب أو كرسي ..
وأكثر ما يؤلمني نظرة الزملاء لي ..
لا أدري ...
فكرت كثيراً ..
جلست مع نفسي كثيراً ..
فكرت في الموضوع ملياً ..
وفي النهاية ..
كان القرار ..
الاستقالة ..
قرار صعب .. لكن .. مالعمل ؟
صعب علي العيش في هذه البيئة ..
صعب علي الاستمرار ..
لا أريد أن أجد نفسي يوماً ما ..
وأنا أصارع ..
وأناضل ـ كما اعتقد ـ
بجيوش جراره ..
تحاصرني ..
وأنا أعزل ..
تقذف بي في زاوية صغيره ..
وأنا لا أملك سوى ..
يداي الصغيرتان ..
أحمي بهما وجهي ..
عن ضرباتهم المتلاحقة ..
حينها ..
سأكون في عداد المفقودين ..
وسينال مني كل تافه وحقير ..
كل سيأخذ بثأره ..
فالفرصة لا تأتي إلا مرة واحده ..
0000000000000
أعطيت نفسي مهلة ..
حتى أودع ..
أدواتي ..
مقعدي..
الخرائط..
شاشات الأجهزة ..
زملائي ..
أودع ذكرياتي ..
حياتي السابقة ..
أودع المكان ..
أودع كل شي .. حتى عمال النظافة..
فأنا راحل ..
لا أدري ؟
هل يمر بي قطار العمر على محطاتهم وأراهم مرة أخرى أم !!
أن وداعي هذا هو الوداع الأخير ..
000000000000000000000000000
كان المساء يلف المكان ..
المكان مظلم ..
بارد ..
لأول مرة .. اشعر بالخوف والارتباك ..
دخلت إلى المكان ..
الزملاء ..
الأجهزة ..
أدواتي ..
يداي ترتعشان ..
إنه الوداع ..
فتخيل أن تعيش ردحاً من الزمن في هذه البيئة ..
وفجأة ..
ترحل إلى مكان آخر ..
إلى وجوه أخرى ..
وبيئة أخرى ....
إلى عالم آخر ..
0000000000000000
جلست صامتاً .. لفترة طويلة..
سألني الزملاء: مابك ؟
استجمعت قواي لأقول لهم .. إني راحل ..
لم استطع ..
حاولت مرة أخرى ..
قلت لهم : أنا اليوم هنا لأودعكم ..
قالوا : هل أنت مسافر ..؟
قلت :نعم ولكن إلى الأبد ..
استغربوا !!
قلت : أنا سأتقدم باستقالتي .. واليوم أتيت لأودعكم ..
قالوا:هل جننت ..!!
أين ستذهب ؟
قلت : لقد وجدت وظيفة في شركة .. وسأكون بأفضل حال ..مما أنا فيه هنا ..
تعالت الأصوات .. بين مؤيد ومعارض ..
قلت: لهم الأمر منتهي ..لا داعي للجدال ..
فالذي أريده هو أن تسامحوني .. إن أنا أخطأت في حق أحدكم .. فأنا مسامحكم .
قالوا جميعاً بصوت واحد .. مسامح ..ووفقك الله في عملك الجديد ..
طلبت منهم بنبره حزينة .. والدموع تكاد تتساقط من عيوني ..
أرجوا منكم أن تتركوني قليلاً أودع حياتي السابقة التي سأتركها هنا في هذا المكان ..
خرجوا من المكان ..
وبدأت صور الذكريات تمر ..
ذكريات سنين عديدة ..
أيام مره .. وأيام حلوه ..
أقف اليوم لأودعها ..
أتأمل بصمات أصابعي على كل زاوية من زوايا المكان ..
أشم أنفاسي التي كم من المرات تقطعت هنا .. في مواقف رهيبة ..
كم الساعات التي قضيتها في نوبات عمل .. وأنا أمر بظروف صعبة وقاهره ..
أتذكر حينما .. أتيت إلى نوبة العمل بعد ثلاثة أيام من فقدان أغلى إنسان ...
أتذكر .. مرات عديدة .. وقد أتيت للعمل ..وابني في المستشفى ..
أتذكر .. مواقف صعبة .. وصعبة جداً أُجبرنا على العمل في ظروف سيئة ..
ماذا أتذكر ..
للأسف..
حينما أتذكر..
لا يمر علي ذاكرتي .. أي ذكرى حلوه ..سوى بعض الوجوه .. التي لن أنساها ..
بطيبتها .. وكرمها .. وشهامتها ..
00000000000000000000000
ودعت المكان ..
ولم أنس ..
أن أٌقبل أدواتي ..
أشبع عيني بنظرات طويلة لما يحتويه المكان ..
لم أنس ..
أن احتفظ بالصورة الأخيرة .. لمكان عشت فيه زمناً طويلاً ..
صورة عالمي القديم ..
الذي ُأجبرت على تركه .. دون أن يكون ذلك خياري ..
فالأحداث ... والمشاكل .. التي حدثت ..
سببت لي الكثير من الأزمات..
مع أهلي ..
مع أصدقائي ..
مع زملائي ..
وأثرت على عملي .. وهو الأهم ..
حيث أن السلامة مطلب الجميع.. وفي هذا الجو المشحون لن أكون في مستوى السلامة .. بل سأكون في الجانب الآخر ..
جمعت أحزاني وذكرياتي ..
خرجت من المكان ..
وأنا أودع كل شيء في طريقي..
الوداع الأخير..
.........................
فاعذرني .. وطني الحبيب ..
لم أكن على مستوى الثقة ..
لم أكن كما تصورت ..
لم أكن ذلك الذي تخيلت ..
كنت تأمل بي ومثلي من أبناءك المخلصين..
أن نستمر في كشف الكذابين ..
والمداهنين .. والمتملقين.. .والمنافقين..
في أن نقف مع الحق .. ومع العدل .. وأخذ حقوق المظلومين .. والمطحونين من زملائنا .. لكن ..خاب الظن .. ياوطني ..
في أن نقول الحق ..ونعلوا بهامتك فوق هامات الأوطان ..
وأن تفخر بنا حين تتفاخر الأوطان بأبنائها...
لكن .. سامحني ياوطني ..
لم أكن ذلك الرجل ..
عذراً وطني ... وهذه استقالتي
كتبه : Thunder
5/10/2004م
منتدى القرناس
ملاحظة: تمر السنين.. كل شيء يتغير إلا مهنة المراقبة الجوية لدينا لا ولن تتغير في ظل الظروف الحالية وعند استشراف المستقبل لا نجد سوى آهات..مستقبل مظلم جداً .. وستظل المهنة تردد البيت الشهير مع بعض التغيير " وجعي يمتد كسرب حمام .. من اوتيلا OTILA إلى بوردا "