|
لقاء مع رئيس مجلس الوزراء(قصة من تجربتي)
قصتي اليوم تختلف عن كل القصص السابقة من حيث نوعيتها وإثارتها ، فأحداث القصة جرت في ثلاث أماكن وثلاث أزمنة مختلفة .. سأسردها في ثلاث مشاهد . المشهد الأول: في إحدى الدول الأفريقية .. طائرة صغيرة تحت جنح الظلام تهم بالإقلاع من مدرج مطار العاصمة .. الساعة التاسعة تقريباً .. الطيار ومساعده مشغولان .. بفحص قائمة الإقلاع .. يلتفتان إلى بعضهما البعض ..أخذا تصريح المغادرة .. الإقلاع .. وفجأة سمع قائد الطائرة صوت خفيف قادم من مقدمة الطائرة .. .. قائد الطائرة : لا ضير من الممكن أننا اصطدمنا بطائر صغير أثنا ء عملية الإقلاع .. استمرت الطائرة في التحليق في وجهتها إلى مدينة مسقط عاصمة سلطنة عمان مروراً بمطار الملك عبد العزيز بجده للتزود بالوقود. بعد مرور ساعة على الإقلاع .. كان رجال الصيانة يتفحصون المدرج في بلد المغادرة كإجراء روتيني يقومون به في كل يوم ثلاث مرات تقريباً .. فجأةً .. المدرج مليء بالعديد من قطع الإطارات المتناثرة هنا وهناك .. صيانة المطار يتصلون على برج المراقبة للإبلاغ عن ماحدث .. برج المراقبة يتفحص سجلاته لمعرفة آخر طائرة أقلعت من المطار أو هبطت .. أوووووووه .. يا للهول إنها طائرة الفالكون الصغيرة التي أقلعت من المطار قبل نحو ساعة .. يا للمصيبة .. يا للكارثة .. انقلب حال المطار رأساً على عقب بعد هذا الخبر ووصل الأمر إلى أعلى سلطة في البلد . أوووه .. رباه إنها طائرة رئيس الوزراء ... قام العاملون في المراقبة الجوية في ذلك البلد بإبلاغ مركز مراقبة المنطقة بجدة ACC عن الأمر لإبلاغ الطيار بما حدث .. المشهد الثاني: في موقع مراقبة المنطقة بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجده .. كان المراقب الجوي منهمكاً في أداء عمله الاعتيادي .. يقوم بتوجيه الطائرات .. فجأة . . يصل إليه الخبر .. اتصال هاتفي على مشرف الوردية يخبره بأن هناك طائرة فالكون أقلعت من إحدى العواصم الأفريقية تحمل شخصية هامة جداً .. هي الآن في الطريق إلى مطار جده ـ كما هو مقرر ـ للتزود بالوقود في رحلتها إلى مسقط ..وهي الآن على بعد ساعتين من مطار جده .. ولا بد من إبلاغ الطيار بكل ماحدث لمعرفة رأيه حول الموضوع .. كان لا بد من التأكد من قائد الطائرة حول ماحدث لذا انتظر طاقم الوردية حتى تدخل الطائرة أجواء المراقبة السعودية وإبلاغه بما حدث وأخذ رأيه وماذا سيفعل ؟ .. الساعة تقترب من الثانية عشر مساءً .. حينما بدأت الطائرة بالظهور على شاشات الرادار في مراقبة المنطقة بجده .. وبدأ الاتصال مع قائد الطائرة .. قائد الطائرة:جده كنترول هذه هي الرحلة 123 .. على ارتفاع ثلاث وثلاثون ألف قدم نقترب من النقطة كذا .. المراقب الجوي : الرحلة 113 .. جده كنترول .. أنت الآن على شاشة الرادار ..على ارتفاع ثلاث وثلاثون ألف قدم تقترب من نقطة كذا .. المراقب الجوي:الرحلة 123... قائد الطائرة : تفضل .. المراقب الجوي: وصلتنا معلومات من مطار الإقلاع بأنهم وجدوا على أرض المدرج بعد إقلاعكم .. قطع عجلات .. وكانت طائرتكم هي آخر طائرة أقلعت من المطار.. قائد الطائرة : نعم،لقد لاحظت ذلك عند الإقلاع ، ولم أكن متأكداً بأن الصوت الذي سمعته هو صوت انفجار العجلات .. والآن أؤكد لكم بأن العجلات الأمامية قد فقدناها .. المراقب الجوي: افهم من ذلك أنك تعلن حالة الطوارئ. قائد الطائرة: نعم .. حينما قال قائد الطائرة نعم .. استنفر الجميع ..في كل أقسام المطار استعداداً لحالة الطوارئ غير العادية أبلغ المشرف إدارة المطار عن حالة الطوارئ ... وعندها انهمر سيل من الاتصالات من كل حدب وصوب على مراقبة المنطقة بجده.. واستنفر الجميع .. برج المراقبة الجوية ... وحدة الإطفاء والإنقاذ .. الشركة المعنية .. المستشفيات .. وفجأة ... قائد الطائرة : جده كنترول ... الرحلة 123 .. المراقب الجوي : تفضل .. قائد الطائرة : الرحلة 123 .. نطلب المواصلة والهبوط في مطار الملك خالد الدولي .. بناءً على تعليمات عملياتنا التي تقع في مطار الملك خالد الدولي .. المراقب الجوي : أفهم .. أنك لا تود الهبوط في مطار الملك عبد العزيز بجده .. وتطلب الهبوط في مطار الملك خالد الدولي بسبب وجود عملياتكم وقاعدتكم هناك.. الكابتن : نعم .. المراقب الجوي : علم .. استمر في الطيران والتوجه إلى مطار الملك خالد بالرياض.. مراقبة المنطقة في جدهACC يبلغون جميع الإدارات المعنية أن الطائرة لن تهبط في مطار جده وستواصل الطيران إلى الرياض .. وعاد الهدوء مرة أخرى إلى مطار جده .. قام المراقب الجوي المسئول في جده بإبلاغ مراقبة الاقتراب بمطار الملك خالد الدولي بهذه المعلومات .. المشهد الأخير : في مراقبة الاقتراب الآلي في مطار الملك خالد الدولي APP ، كان الوقت يقترب من نهاية نوبة المساء .. وبعد نصف ساعة تقريباً ستبدأ نوبة منتصف الليل .. الساعة الواحدة .. الهاتف يرن .. على الطرف الآخر مشرف الوردية بمراقبة المنطقة بجده .. .. طلب مشرف النوبة للتحدث معه .. أخذ المشرف سماعة الهاتف .. وجرى حديث قصير بين الاثنين ... وبقية الطاقم يتابع .. مشرف النوبة يغلق سماعة الهاتف ... يهز رأسه يميناً وشمالاً .. يتقدم بتثاقل .. وحينما ... وصل .. قال: طائرة تحمل شخصية هامة جداً .. قادمة إلى مطار الملك خالد الدولي .. وبحالة طوارئ رقم 2. استنفار .. في غرفة العمليات .. وبدأت التساؤلات الكثيرة ... مشرف المناوبة : يا أخوان الطائرة لن تهبط الآن ولكن بعد ساعة ونصف .. وهذا يعني أن هذا الموقف سيتحمله الطاقم الذي سيأتي بعد قليل ( مناوبي منتصف الليل ) .. وماهي إلا لحظات .. والطاقم الجديد أو أفراد مناوبة منتصف الليل يدخلون إلى غرفة العمليات،أو غرفة الرادار . أُبلغ المشرف الجديد بالأمر ... وأخذ الاستعداد لذلك وأبلغ كافة المعنيين .. كنت في ذلك الوقت أعمل في برج المراقبة الجوية .. وكانت مناوبتي في ذلك اليوم في منتصف الليل.. صحوت من النوم للتو.. أموري الصحية والنفسية جيده . لا أعاني من أي مشكله .. والحمد لله .. ذهبت للعمل .. في الطريق .. لم يدر في خلدي أن مناوبتي هذه الليلة ستكون بشكل مختلف .. كنت كما كل يوم في طريقي إلى العمل .. استرجع الأخطاء والهفوات في العمل ...وأُبقيها في الذاكرة حتى أتلافاها ..في المرة القادمة .ِ. كنت أتابع وأنا قادم للمطار حركة الطائرات .. وأخمن هذه مغادره إلى جده .. وهذه إلى الدمام ..وربما هذه إلى أبها .. دخلت إلى غرفة العمليات .. استلمت النوبة من زميلي السابق .. كان كل شيء طبيعي .. بدأت العمل .. وعلى غير العادة في نوبات آخر الليل .. كان هناك حركة أكثر من المعتاد .. فجأةً... اتصل مشرف النوبة في الاقتراب .. وقال:الله يستر .. يبدو أنها ستكون ليلة غير عادية .. فقلت : لماذا .. ؟ قال: اسمع ..هناك طائرة قادمة للهبوط في مطار الملك خالد الدولي ..تحمل شخصية هامة جداً..في حالة طوارئ رقم 2 .. قلت:حسناً .. نحن على استعداد تام ، وإن شاء الله سينتهي الأمر على خير .. واستدركت .. وقلت : أعطني المعلومات الكاملة عن الطائرة ..حتى نعلن الطوارئ في المطار .. . قال: ليس لدي معلومات الآن وسأوافيك .. حال استلامها من جده .. والوقت المتوقع لوصولها المطار هو 1.45 . ماهي إلا لحظات .. إلا وكأننا في السنترال المركزي .. ثمانية عشر جهاز تلفون .. ترن في وقت واحد .. شخصيات عديدة .. وجهات عديدة... تتصل تستفسر عن الطائرة وماذا حدث لها ؟ يالله .. لا نعلم هل نقوم بعملنا أم نقوم بالرد على الاستفسارات .. !! بعد قليل .. وصل إلى البرج .. المدير .. ( طبعاً للمساعدة في مثل هذه المواقف) .. بعد وصوله .. أعطيناه مهمة الرد على الاستفسارات .. كنا ثلاثة أشخاص .. اثنان مؤهلان للعمل .. والثالث متدرب .. وفي الساعة الواحدة والنصف وصل مدير وحدة المراقبة الجوية بمطار الملك خالد الدولي إلى البرج للمساعدة .. استلمت مهمة المراقبة في الموقع المحلي .. هو الذي يعطي التصريح بالإقلاع والهبوط .. واستلم زميلي المتدرب موقع الحركة الأرضية تحت إشراف الزميل الآخر .. الاستفسارات .. والاتصالات لازالت تنهمر كالمطر .. وكلما اقتربت الطائرة من المطار كلما زادت الاتصالات .. طبعاً كل شخص يريد أن يحصل على المعلومات أولاً .. حتى يحظى بعصا السبق .. والضغوط تزداد علينا .. لكن وجود مدير الوحدة في الموقع خفف كثيراً من الضغوط علينا من خلال الرد على الاتصالات الكثيفة .. ومع ذلك كانت بعض التلفونات ترن دون أن يقدر أحد منا على الرد بسبب انشغالنا إما بتصريف الحركة الجوية .. أو بالانشغال بالرد على تلفون آخر وهكذا .. دخلت الطائرة أجواء المراقبة لمنطقة الرياض .. وأُخذت المعلومات المهمة ... أعلنت حالة الطوارئ بالمطار .. حالة رقم 2 استنفر الجميع .. طلبنا .. من الصيانة توفير شخص مؤهل .. ليكون بالقرب من المدرج .. حتى يفحص الطائرة هل العجلات الأمامية سليمة أم لا .. وأين العجلات التالفة ؟.. وصلت الطائرة بالقرب من المطار .. استلمتها من الاقتراب .. قائد الطائرة : برج مطار الملك خالد .. الرحلة 123 .. صباح الخير .. المراقب : الرحلة 123 برج مطار الملك خالد .. صباح النور .. قائد الطائرة : أطلب الطيران بارتفاع منخفض على المدرج للكشف عن العجلات التالفة .. المراقب : موافق .. ورجال الصيانة .. سيكونون في المدرج ... بسيارتهم .. للكشف على الإطارات.. قائد الطائرة : علم .. قام الطيار بالمرور فوق المدرج على ارتفاع منخفض .. ورجال الصيانة يحاولون رؤية العجلات .. لكن لم يتمكنوا .. وطلبوا من الطيار المرور مرة أخرى .. قام الطيار بالمرور مرة أخرى .. وهذه المرة .. وجد رجال الصيانة وتأكدوا أن الإطارات الخلفية سليمة .. لكن الإطارات الأمامية ..واحده سليمة لكن الأخرى .. لم يتمكنوا من رؤيتها .. وطلبوا أن يقوم الطيار بالمرور للمرة الثالثة ليتأكدوا من العجلات الأمامية .. قام الطيار بالمرور للمرة الثالثة .. لكن لا فائدة ..ظلام دامس .. ورجال الصيانة لم يتمكنوا من التأكد من سلامة العجلات الأمامية .. فهم يرون العجلة اليمنى سليمة لكن اليسرى لم يتمكنوا من رؤيتها ... الطيار يطلب الهبوط .. بسبب نقص الوقود .. رجال الصيانة يريدون من الطيار أن يقوم بالمحاولة الرابعة لعل وعسى .. لكنَّ الطيار رفض بشده .. بسبب نقص الوقود .. قام الطيار بالالتفاف .. ومن ثم الالتفاف مرة أخرى للهبوط .. أعطي تصريح الهبوط .. أصبحنا ننتظر على أحر من الجمر .. الطائرة في المراحل الأخيرة من الهبوط ... تسمرت أعيننا على مدرج الهبوط .. وقليلاً .. قليلاً .. هبطت الطائرة .. كان الهبوط على العجلات الخلفية .. واستمرت على هذا النحو حتى خفت سرعتها .. ومن ثم نزلت العجلات الأمامية .. وتوقفت .. سيارات الإطفاء والإنقاذ .. سيارات الصيانة .. سيارات عمليات الساحة .. الجميع كان هناك .. خاطبنا الطيار ..هل كل شيء على ما يرام؟ قال: نعم .. أشكركم من الأعماق .. لازالت الاتصالات تنهمر .. ولازلنا نرد على هذه الاتصالات .. حينما .. هدأت الأمور وقتها سألت : من الشخصية الهامة جداً على الطائرة ؟ قال لي زميلي:إنه فخامة رئيس الوزراء في .... اكتشفت أنني الوحيد في هذه المناوبة الذي لا يعلم أن الشخصية الهامة كان رئيس الوزراء...!! حمدت الله على سلامته ..وعلى العمل الجبار الذي قام به الجميع في سبيل أن تهبط هذه الطائرة وجميع الطائرات بسلامة وأمان .. الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً .. أغلق المدرج التي هبطت فيه الطائرة ؛لأن الطائرة لا تستطيع أن تتحرك بسبب تلف العجلات الأمامية. انتهت المناوبة.. ذهبت إلى المنزل وأنا متعب جداً .. لكنني كنت فخور جداً .. بالعمل الجبار الذي قمنا به .. ولسلامة فخامة رئيس الوزراء .. الذي قابلناه .. اليوم ..ولكن بشكل مختلف . تحياتي كتبه : ThUnDeR
التعديل الأخير تم بواسطة thunder ; 04-09-2006 الساعة 03:57 PM.
|