|
( مات المسافر والبوابة مشغولة ) "قصة من الواقع برؤيتي"
تمر على المراقب الجوي حوادث كثيرة .. ومواقف متعددة ..
قد ينسى بعضها مع تقادم الزمن ..ويبقى البعض الآخر عالقاً في الذاكرة ..
لايمكن إزالته بسبب الأثر القوي الذي تحدثه تلك المواقف على النفس البشرية ..
حينما يرى المكان .. أو يسمع نفس الصوت أو الطعم أو اللون .. فإن الذاكرة بسرعة تستدعي أحداث ذلك الموقف .. يتذكر الموقف نفسه بكل تفاصيله..
في صيف عام 2005م في مطار الملك خالد الدولي بمدينة الرياض ..
الوقت مساءً والحركة على المطار كثيفة جداً كعادة ليال الصيف ..
وكعادة الليالي المزدحمة تشم رائحة وقود الطائرات من داخل صالة المراقبة في برج المراقبة الجوية .. الذي يبلغ ارتفاعه 81 متراً .
درجة الحرارة في الخارج تتجاوز 46 درجة مئوية وبرغم ذلك فإنني أحاول أن أجد مايغطي جسمي وقدمي من لفحات البرد القارس بفعل التكييف العالي في صالة المراقبة.
نعمد أحياناً إلى فتح نافذة مطلة على الخارج لتغيير الهواء وتعديل حرارة الصالة.
لكن مرات كثيرة نظل تحت برد مكيفات الهواء طوال ساعات العمل اليومية حتى نخرج إلى البيت متعبين .. منَّا من أصابته الانفلونزا .. ومنَّا من يتألم من مفاصل قدميه بسبب البرد الشديد.. وكم من ساعات العمل الليلية الشتوية قضيناها في زمهرير البرد .. نقضي الساعات وكأنها سنين .. إنها معاناة الأيام والسنين .. لكنها تمضي ويستمر العمل.
الساعة تشير الآن إلى الساعة العاشرة وهو وقت الذروة حيث أن حركة الطائرات تكون في ذروتها في هذه الساعة من المساء في هذا الصيف الحار ..
لاشي يشير على أن هناك من مشكلة كل الأمور تسير بانتظام وعلى مايرام .. وهذا مايميز مهنة المراقبة الجوية عن غيرها من المهن فالمشكلة تحدث فجأة والمصيبة تقع بلامقدمات وهو اختبار جيد للقدرات والامكانات البشرية والمادية .
ازدات حركة الاقلاع والهبوط في المطار ولو أن حركة الهبوط أكثر من حركة الإقلاع خلال هذه الساعة ..
جميع البوابات مشغولة .. والإجراءات تنص على أن البوابه إذا كانت مشغولة فإن على الطائرة الانتظار على الممر الأرضي لمدة 15 دقيقة وإذا لم تتوفر البوابة المخصصة لهذه الرحلة فإن عمليات ساحة الطيران تخصص أحد المواقف الخارجية لهذه الرحلة .
يتصل مراقب الاقتراب ويبلغ عن طائرة قادمة من جدة وبحالة اضطرارية حيث أن أحد المسافرين لديه أزمه قلبية ويحتاج للمساعدة ..
يجب في هذه الحالة إبلاغ عمليات الساحة عن الحالة حتى يتم توفير طبيت وسيارة إسعاف عند البوابة المخصصة لهذه الرحلة لعمل اللازم للمسافر ..
اتصلت بعمليات ساحة الطيران وإبلغتهم عن الحالة ..
طبعاً عمليات الساحة لديهم معرفة بالبوابة المخصصة للرحلة القادمة .. ولايحتاج أن أبلغهم برقم البوابة ..
كنت أتابع الرحلة على شاشة الرادار الصغيرة المخصصة لمراقب الإقلاع والهبوط في البرج ..
كان مراقب الاقتراب.. في تلك اللحظة يعاني من تزايد الحركة ويشعر في نفس الوقت بأهمية خدمة هذه الرحلة وتوجيهها إلى اقصر طريق للاقتراب النهائي .. فهي حالة طارئة ويجب التعامل معها على هذا الأساس ..
قام مراقب الاقتراب بإبعاد الطائرات بعيداً حتى يكون لهذه الرحلة الأولوية في الهبوط .. استمر يوجه الطائرات وينبه على أن هذه الرحلة لها الأولوية في الهبوط..
وصلت الطائرة إلى الخط النهائي للهبوط .. وقام الطيار بالتحدث مع مراقب الهبوط والإقلاع .. الذي أعطاه تصريح الهبوط ..
فجأة تنبهنا إلى أن البوابة المخصصة لهذه الرحلة مشغولة بطائرة أخرى ..
قمت بالاتصال بعمليات ساحة الطيران وأبلغتهم عن المشكلة ..
أبلغوني أن الطائرة التي في البوابة تحتاج إلى مايقارب 6دقائق حتى تتحرك من البوابة ..
ولكن الطائرة ومعها المسافر وبحالة طارئة في الاقتراب النهائي .. ومن المستحيل أن ينتظر تلك الدقائق ..
رد علي : لحظة .. سأتصل بك لاحقاً ..
يالله .. أصبحنا جميعاً على أعصابنا ..
ننظر جميعاً إلى موجة المراقب الأرضي ..
علها تومض إضاءتها .. معلنة عن تحرك تلك الطائرة من البوابة ..
صمت رهيب ..
نقف كلنا جهة مدرج الهبوط .. ننتظر ..
أتصل مرة أخرى على عمليات ساحة المطار ..
سلام عليكم . . مالأخبار ..
عمليات ساحة المطار: أي أخبار .
ياأخي ماذا حدث للرحلة التي تشغل البوابة رقم ..
عمليات ساحة المطار: لا جديد .. لازلنا ننتظر الكابتن يطلب تشغيل المحرك .
ياأخي الطائرة على وشك الهبوط ولن نتحمل جميعاً أن تنتظر وبداخلها رجل يحتاج المساعدة القصوى ..
عمليات ساحة المطار: انتظر لحظة وسأتصل بك ..
ياأخي خصصوا لها موقفاً مؤقتاً حتى يتم اسعاف الحالة .. وبعد ذلك يتم تحريكها إلى البوابة ..
عمليات ساحة المطار: سنرى مايجري وسأتصل بك .
انتظرت على أعصابي ..
الطائرة تهبط الآن على المدرج ولازالت البوابة مشغولة ..
ماذا عساي أن أقول للطيار حينما يتصل بي بعد قليل يطلب التحرك في الممرات الأرضية وتوجيهه للبوابة المخصصة ؟
لا أدري .. ولكن لعل وعسى أن تنفرج الأزمة ..
لحظات .. وأنا أنظر باتجاه البوابات .. المشغولة جميعها ..
لايوجد هناك بوابة متاحة .. جميعها مشغولة بطائرات أخرى ..
لحظات تفكير عميق ..
يقطعها اتصال قائد الطائرة ويطلب سرعة توجيهه إلى البوابة المخصصة للرحلة ..
أجبت الطيار بصوت منكسر .. ذليل .. ضعيف .. أن جميع البوابات مشغولة .. وأن البوابة المخصصة لرحلتة مشغولة وستكون متاحة بعد ست دقائق .. ونحن ننتظر قائد الطائرة التي تشغل البوابة يتصل لتشغيل المحرك والتحرك من البوابة ..
قائد الطائرة يصرخ : ولكن المسافر المريض لن ينتظر هذه الست دقائق ..
أجبته والغصة في حلقي : نعم .. ولكننا حاولنا مع عمليات ساحة الطيران أن يخصصون موقفاً مؤقتاً للطائرة حتى يتم اسعاف المسافر ولازلنا بالانتظار ..
قائد الطائرة يرد : الله يصلح الحال .
رددت في نفسي .. آمين .. وسكتت
اتصلت مرة أخرى بعمليات ساحة الطيران .. ولم إجابة على تساؤلي وحرقتي وأعصابي المشدودة ..
وطال الانتظار .. مرت ثلاث دقائق .. كأنها دهر بأكلمه ..
عمليات ساحة المطار تتصل..
ـ نعم ..
عمليات ساحة المطار: الآن وجه الطائرة إلى ساحة الوقوف الخارجية ..
ـ حسناً ..
ناديت على قائد الطائرة في الموجة فلم يرد ..
ناديت مرة أخرى فلم يرد ..
استغربت ..؟!
ناديت مرة ثالثة .. فرد قائد الطائرة ..
وجهته بأن يتحرك الآن وبسرعة إلى المواقف المؤقتة الخارجية وسيكون الطبيب وسيارة الإسعاف بانتظاره هناك ..
رد الطيار : ولكن ذلك لن يفيد الآن فقد توفي المسافر متأثراً بأزمته القلبية ..
علت على الوجوه الدهشة ..
صمت رهيب ..
أشعر أنني أختنق ..
العرق يتصبب من جبيني .. برغم برودة المكان.
نظرت إلى زملائي .. الذين كانوا جميعاً ينظرون إلى الطائرة تتحرك بهدوء إلى الموقف المخصص ..
حاولت أن أمتص الصدمة ..
جلست على الكرسي ..
لا إله إلا الله محمد رسول الله .. رحمة الله رحمة واسعه ..
سبقتنا المنية ..
كنا في سباق مع الزمن .. ليتم اسعافه .. ولكن الأجل المحتوم كان أسرع منا جميعاً ..
نعم إن الضغط النفسي الذي كنَّا عليه وكان علية جميع العاملين .. والأداء العالي لمراقب الاقتراب لإعطاء الأولوية لهذه الطائرة وتأخير رحلات أخرى قادمة للهبوط ..
ومحاولاتي المستمرة مع عمليات ساحة الطيران ليتم تخصيص موقف خارجي للطائرة .. لم تفلح تلك المجهودات والجهود الجبارة من إنقاذ ذلك الراكب .. فقد حان الأجل وجاءت ساعة المنية ..
ناديت أحد الزملاء وطلبت منه أن يأخذ مكاني في الموقع ..
ذهبت إلى الجهة الأخرى من البرج ..
غير مصدق لماحدث ..
سبحان الذي بيده الحياة والموت ..
جلست الفترة المتبقية من المناوبة .. بعيداً هناك في الجهة الأخرى من البرج ..
متأثراً جداً مما حدث هذه الليلة ..
موقف رهيب .. وعصيب ..
يتكرر على مسمعي ماقاله قائد الطائرة : ولكن ذلك لن يفيد الآن فقد توفي المسافر متأثراً بأزمته القلبية ..
توفي المسافر ..
ووصلت الطائرة إلى الموقف الذي خصص لها مؤقتاً ..
ولازالت البوابة مشغولة..
كتبها:ThUnDeR
تحذير: القصة كُتبت خصيصاً لموقع ومنتديات الطيران العربي ولايسمح بنقلها إلى منتدى آخر.
التعديل الأخير تم بواسطة thunder ; 07-12-2006 الساعة 07:03 AM.
سبب آخر: اضافة تحذير
|